دانلود جدید ترین فیلمها و سریالهای روز دنیا در سایت 98Movies. اگر در جستجوی یک سایت عالی برای دانلود فیلم هستید به این آدرس مراجعه کنید. این سایت همچنین آرشیو کاملی از فیلمهای دوبله به فارسی دارد. بنابراین برای دانلود فیلم دوبله فارسی بدون سانسور نیز می توانید به این سایت مراجعه کنید. در این سایت امکان پخش آنلاین فیلم و سریال همراه با زیرنویس و فیلمهای دوبله شده به صورت دوزبانه فراهم شده است. بنابراین برای اولین بار در ایران شما می توانید فیلمهای دوبله شده را در تلویزیونهای هوشمند خود به صورت دوزبانه و آنلاین مشاهده نمایید.
التاريخ : 2026-08-02

صخر أبو عنزة .. شبيه السلط وابن أبوه .. !

 فارس كرامة

ليس سهلا أن تكتب عن رجل يشبه مدينة، فالسلط ليست حجارة صفراء فقط، ولا بيوتا عتيقة تتكئ على سفوح الجبال، وليست أدراجا تحفظ وقع أقدام أهلها منذ مئات السنين، السلط روح، وقيمة، وحالة إنسانية نادرة، مدينة إذا دخلتها شعرت أن الزمن يمشي على مهل، وأن الناس ما زالوا يعرفون بعضهم بالاسم، ويقيسون الرجال بما تركوه من أثر، لا بما حملوه من ألقاب.

في السلط، تعانقت المآذن مع أجراس الكنائس قبل أن تصبح كلمات التعايش شعارا، وفي السلط، كانت الجيرة أقوى من الاختلاف، وكان السلام على المار فرضا لا مجاملة، وكان الرجل يعرف بكرمه، وصدقه، وحسن سيرته، تلك المدينة لم تكن مجرد مكان ولد فيه صخر أبو عنزة، بل كانت المعلم الأول الذي رسم ملامحه، وأعطاه شيئا من طباعها التي لم تغادره يوما.

فكلمته الشهيرة "أنا زي السلط" ليست عبثية، فهي جامعة، جميلة، حنونه، تعشق أبنائها، كبر بين بيوت الجدعة الحجرية، يحفظ تفاصيلها كما يحفظ المرء ملامح بيته الأول، يعرف كل درج يقود إلى حارة، وكل نافذة تطل على قصة، وكل زقاق يحمل حكاية من حكايات السلط القديمة، وعلى مقاعد مقهى القماز، لم يكن يجلس ليشرب القهوة فقط، بل كان يصغي إلى الناس، إلى أحاديثهم، إلى اختلاف آرائهم، إلى بساطة الحياة التي كانت تصنع الرجال قبل أن تصنع الشهرة.

ومن هناك، تشكلت شخصيته، هادئة كصباحات السلط، وصلبة كحجارتها، وفوضوية وفيها حياة كسوقها، ودافئة كبيوتها المفتوحة للضيف قبل أن يطرق الباب، لم يعرف يوما أن الناس يقسمون إلى طوائف أو أصول، لأن المدينة التي ربته لم تكن ترى في الإنسان إلا إنسانيته، لذلك ظل يؤمن، في كل محطاته، أن الأردن أكبر من أي تصنيف، وأن المحبة هي اللغة الوحيدة التي تستحق أن تقال.

ولم يكن ذلك غريبا على ابن بيت عرفه الناس بالسمعة الطيبة، فقد ورث عن والده، المرحوم سعد سليمان أبو عنزة، هيبة الاسم، ونظافة السيرة، وكرم الضيافة، واحترام الناس، كان والده من أولئك الرجال الذين يرحلون، لكنهم يتركون خلفهم ذكرا طيبا لا يشيخ، فحمل صخر هذا الإرث بصمت، وحافظ عليه بالفعل قبل القول، أما والدته، أم صخر، فكانت وما تزال واحدة من السيدات اللواتي يحظين بكل محبة واحترام في السلط، امرأة اختصرت معنى الأصالة، وكان حضورها في حياته امتدادا لذلك البيت الذي تربى فيه على القيم قبل كل شيء.

وكان من الطبيعي أن يخرج من ذلك البيت رجل يؤمن أن الاسم لا يكبر بالمناصب، بل بما يتركه صاحبه خلفه، لذلك لم يكن صخر أبو عنزة يوما ممن يركضون خلف الأضواء، بقدر ما كانت الأضواء تجد طريقها إليه، كان يحمل إرثا ثقيلا من الأخلاق، ويعرف أن المحافظة على سمعة العائلة أصعب بكثير من صناعتها.

وفي رحلة العمر، لم يكن يسير وحده، إلى جواره كانت زوجته وفاء الملاح، التي لم تكن زوجة بالمعنى التقليدي، بل كانت شريكة الطريق بكل ما حمله من صعوبات، عاشت معه سنوات لم تكن كلها سهلة، سنوات امتلأت بالتحديات، والرهان، والانتصارات، والانكسارات، لكنها بقيت ثابتة كما تبقى الأشجار العتيقة في وجه الريح، كانت تعرف أن الرجل الذي اختار الكلمة طريقا سيدفع ثمنها يوما، لكنها لم تطلب منه أن يتراجع، بل كانت تدفعه ليبقى كما هو، مؤمنا بما يكتب، وبما يقول.

وحين يعود إلى بيته، كان يخلع عن كتفيه صخب السياسة والإعلام، ليصبح أبا فقط، يجد في معاذ، وسعد، وميرا امتدادا للحياة، ويرى في أحفاده سند، وزيد، ونايا ذلك الفرح الذي يأتي متأخرا، لكنه يبقى الأجمل، أما نسيبه فلاح طبيشات، فكان دائما جزءا من الدائرة التي تقوم على الاحترام والمودة قبل أي صلة نسب.

وربما لهذا السبب، بقيت السلط تسكنه أينما ذهب، لم يغادرها حتى عندما أخذته المهنة إلى عمان، أو إلى أي مكان آخر، كانت تعود إليه في تفاصيله الصغيرة، في لهجته، وفي طريقته باستقبال الناس، وفي إصراره على أن يبقى الباب مفتوحا للجميع، كما كانت أبواب البيوت القديمة في السلط.

أكثر من أربعين عاما قضاها في الإعلام، لم تكن مجرد وظيفة يؤديها كل صباح، بل كانت حياة كاملة، رأى خلالها حكومات تأتي وأخرى ترحل، ورافق أحداثا صنعت تاريخ الأردن الحديث، وكان شاهدا على تحولات كبيرة عاشها الوطن والمنطقة، لكنه لم يكن مجرد شاهد، بل كان جزءا من المشهد، يكتب، وينتقد، ويدافع، ويختلف، ويقترب، لكنه لم يتخل يوما عن قناعته بأن الأردن يستحق الكلمة الصادقة.

دفع ثمن تلك القناعة أكثر من مرة، وذاق مرارة الحبس لأن الكلمة التي كتبها لم ترض أحدا، لكنه لم يتعامل مع ذلك بوصفه بطولة، ولا حمله يوما وساما على صدره، كان يرى أن الصحفي إذا لم يدفع ثمنا لموقفه، فقد يكون مطالبا أن يراجع معنى رسالته.

وحين أسس مجموعة الشاهد الصحفية، لم يكن يبحث عن مؤسسة إعلامية تنافس غيرها فقط، بل كان يريد بيتا للكلمة، ومنبرا يفتح أبوابه للناس، ومن خلال الشاهد، ووكالة رم، وصحيفة الملاعب، وبقية المنصات، استطاع أن يترك بصمة واضحة في المشهد الإعلامي الأردني، وأن يصنع مدرسة تؤمن بأن الخبر مسؤولية، وأن الإعلام الحقيقي يبدأ من الناس وينتهي عندهم.

ولهذا، لم تكن علاقاته الواسعة مع رؤساء الحكومات، والوزراء، والأعيان،والنواب، والرياضيين، والفنانين، والمثقفين، والإعلاميين، علاقات تبنى على المنصب، بل على الثقة التي راكمها عبر السنين، يعرف كيف يحافظ على الاختلاف دون أن يخسر الود، وكيف يفتح أبواب الحوار دون أن يتنازل عن قناعاته.

ولعل أجمل ما في صخر أبو عنزة، أنه بقي، رغم كل هذه السنوات، يشبه ذلك الفتى الذي كان يجلس في مقهى القماز، يستمع أكثر مما يتحدث، لم تغيره المناصب، ولم تبدل الأيام طريقته في مصافحة الناس، ولا في السؤال عنهم، ولا في الإيمان بأن الإنسان، في النهاية، لا يترك وراءه إلا سيرته، حتى وإن نزل من تلك السيارة الفارهة حاملاً سيجاره الكبير، يعدل ربطة العنق الفارهة للبدلة الفارهة التي يرتديها، ويداعب أحجار مسبحته الثمينة، يبقى ابن الجدعة ويعتلي مقعد في الشارع على باب القماز.

وفي عيد ميلاده، لا نحتفي بعدد السنوات التي مضت، بل بما بقي منها في قلوب الناس، نحتفي برجل حمل السلط في قلبه، وحمل الأردن في كلمته، وحمل الناس في وجدانه، فاستحق أن يكون واحدا من أولئك الذين لا يذكرون لأنهم عاشوا طويلا، بل لأنهم عاشوا حياة تركت أثرا لا يزول.

 


عدد المشاهدات : ( 298 )
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الرأي نيوز' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .